الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
493
مناهل العرفان في علوم القرآن
وإن قال الإمام أحمد : « ثلاثة ليس لها أصل : التفسير والملاحم والمغازي » ، وذلك لأن الغالب عليها المراسيل . وأما ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل ، فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثنا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان . . . ثم ذكر الجهتين اللتين هما مثار الخطأ فقال : ( إحداهما ) حمل ألفاظ القرآن على معان اعتقدوها ؛ لتأييدها به . ( والثانية ) التفسير بمجرد دلالة اللغة العربية من غير مراعاة المتكلم بالقرآن وهو اللّه عزّ وجل ، والمنزل عليه ؛ والمخاطب به » ا ه ما أردنا نقله بتصرف قليل . قال بعضهم : « هذا وإن كلام ابن تيمية لا ينقض قول الإمام أحمد ، فإنه لم يعن به أنه لا يوجد في تلك الثلاثة رواية صحيحة البتة . وإنما يعنى أن أكثرها لا يصح له سند متصل ، وما صحّ سنده إلى بعض الصحابة يقل فيه المرفوع الذي يحتجّ به . إلى أن قال : ثم إن أكثر ما روى في التفسير المأثور أو كثيره ، حجاب على القرآن وشاغل لتاليه عن مقاصده العالية المزكّية للأنفس ، المنوّرة للعقول . فالمفضلون للتفسير المأثور لهم شاغل عن مقاصد القرآن بكثرة الروايات التي لا قيمة لها سندا ولا موضوعا » ا ه ما أردنا نقله . وكلمة الإنصاف في هذا الموضوع أن التفسير بالمأثور نوعان : ( أحدهما ) ما توافرت الأدلة على صحّته وقبوله ، وهذا لا يليق بأحد ردّه ، ولا يجوز إهماله وإغفاله ، ولا يجمل أن نعتبره من الصوارف عن هدى القرآن ، بل هو على العكس عامل من أقوى العوامل على الاهتداء بالقرآن . ( ثانيهما ) ما لم يصح لسبب من الأسباب الآنفة أو غيرها . وهذا يجب ردّه ولا يجوز قبوله ولا الاشتغال به ؛ اللهم إلا لتمحيصه والتنبيه إلى ضلاله وخطئه حتى لا يغتر به أحد . ولا يزال كثير من أيقاظ المفسرين كابن كثير يتحرّون الصحة فيما ينقلون ، ويزيّفون ما هو باطل أو ضعيف ولا يحابون ولا يجبنون .